ابن الجوزي
174
زاد المسير في علم التفسير
تراني في الدنيا . وقال غيره : هذا جواب لقول موسى : " أرني " ، ولم يرد : أرني في الآخرة ، وإنما أراد في الدنيا ، فأجيب عما سأل . وقال بعضهم : لن تراني بسؤالك . وفي هذه الآية دلالة على جواز الرؤية ، لأن موسى مع علمه بالله تعالى ، سألها ، ولو كانت مما يستحيل لما جاز لموسى أن يسألها ، ولا يجوز أن يجهل موسى مثل ذلك ، لأن معرفة الأنبياء لله ليس فيها نقص ، ولأن الله تعالى لم ينكر عليه المسألة وإنما منعه من الرؤية ، ولو استحالت عليه لقال : " لا أرى " ، ألا ترى أن نوحا لما قال : ( إن ابني من أهلي ) أنكر عليه بقوله : ( إنه ليس من أهلك ) ، ومما يدل على جواز الرؤية أنه علقها باستقرار الجبل ، وذلك جائز غير مستحيل ، فدل على أنها جائزة ، ألا ترى أن دخول الكفار الجنة لما استحال علقه بمستحيل فقال : ( حتى يلج الجمل في سم الخياط ) . قوله تعالى : ( فإن استقر مكانه ) أي : ثبت ولم يتضعضع . قوله تعالى : ( فلما تجلى ربه ) قال الزجاج : ظهر ، وبان . ( جعله دكا ) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر : " دكا " منونة مقصورة هاهنا وفي ( الكهف ) . وقرأ عاصم : " دكا " ها هنا منونة مقصورة ، وفي ( الكهف ) : " دكاء " ممدودة غير منونة . وقرأ حمزة ، والكسائي : " دكاء " ممدودة غير منونة في الموضعين . قال أبو عبيدة : " جعله دكا " أي : مندكا والمندك : المستوي ، والمعنى : مستويا مع وجه الأرض ، يقال : ناقة دكاء ، أي : ذاهبة السنام مستو ظهرها . قال ابن قتيبة : كأن سنامها دك ، أي : التصق ، قال : ويقال : إن أصل دككت : دققت فأبدلت القاف كافا لتقارب المخرجين . وقال أنس بن مالك في قوله : " جعله دكا " : ساخ الجبل . قال ابن عباس : واسم الجبل : زبير ، وهو أعظم جبل بمدين ، وإن الجبال تطاولت ليتجلى لها ، وتواضع زبير فتجلى له . قوله تعالى : ( وخر موسى صعقا ) فيه قولان : أحدهما : مغشيا عليه ، قاله ابن عباس ، والحسن ، وابن زيد . والثاني : ميتا ، قاله قتادة ، ومقاتل ، والأول أصح ، لقوله [ تعالى ] : ( فلما أفاق ) وذلك لا يقال للميت . وقيل : بقي في غشيته يوما وليلة . قوله تعالى : ( سبحانك تبت إليك ) فيما تاب منه ثلاثة أقوال : أحدها : سؤاله الرؤية ، قاله ابن عباس ، ومجاهد . والثاني : الإقدام على المسألة قبل الإذن فيها . والثالث : اعتقاد جواز رؤيته في الدنيا وفي قوله [ تعالى ] : ( وأنا أول المؤمنين ) قولان : أحدهما : أنك لن ترى في الدنيا ، رواه أبو صالح عن ابن عباس . والثاني : أول المؤمنين من بني إسرائيل ، رواه عكرمة عن ابن عباس . قوله تعالى : ( إني اصطفيتك ) فتح ياء " إني " ابن كثير ، وأبو عمرو . وقرأ ابن كثير ، ونافع